الإجماع
قيس العصاFable 5.1

الاعتراضات

أقوى ما يُعترض به على النتائج، منقولًا من كتب أصحابه، وجوابه.

الأمة لا تجتمع على ضلالة، فإجماع الأولين حق، والحق لا يُترك

هذا عمدة الجمهور. قال الغزالي في منع الرجوع عن الإجماع: «إذ يكون أحد الإجماعين خطأ وهو محال»1. وصاغ القرافي قول الجمهور فقال: «فالقطع نشأ عن العصمة لا عن المستند»2. والجواب من ثلاثة أوجه.

الأول: دليل العصمة ظني عند أئمة القائلين بها. قال الغزالي في أقوى آياتهم: «والذي نراه أن الآية ليست نصا في الغرض»3. وقال الآمدي في الآيات كلها: «وإن كانت مفيدة للظن فغير مفيدة للقطع»4. وقال الرازي في حجية الإجماع: «وكيف وهو عندنا ظني»5. وحديث «لا تجتمع أمتي على ضلالة» قال فيه ابن حزم: «وهذا وإن لم يصح لفظه ولا سنده فمعناه صحيح»6. وما كان ظنيًّا لا يُجعل مقدمة في برهان، ولهذا لم يدخل في مقدمات هذا البحث.

الثاني: لو سُلّمت العصمة لم يلزم المطلوب. قال الشوكاني: «فغاية ما يلزم من ذلك أن يكون ما أجمعوا عليه حقا، ولا يلزم من كون الشيء حقا وجوب اتباعه»7.

الثالث: الحق لا يضيع. إن كان ما أجمع عليه الأولون حقًّا فمستنده في المصدرين باقٍ، وأهل العصر اللاحق يصلون إليه من حيث وصل الأولون.

أهل العصر الأول اتفقوا على أن إجماعهم يلزم من بعدهم

بهذا أجاب الرازي عن الاعتراض المنقول في المبرهنة الثالثة، قال: «اتفقوا على أنه لا يجوز لأحد من سائر الأعصار مخالفتهم»8.

وهذا الاتفاق نفسه حكم ديني، فيُسأل عن مستنده من القرآن والسنة كما يُسأل عن مستند غيره. فإن وُجد فالحجة فيه، وإن لم يوجد لم يثبت بالاتفاق شيء، بالمبرهنة الأولى. فالجواب يحتج على إلزام الإجماع السابق بإجماع سابق.

كيف يُعرف إجماع أهل عصر وقد انتشروا في البلاد؟

هذا سؤال عن ثبوت وقوع الإجماع، والمبرهنة الثانية في صحته إذا وقع. وقد شدّد الإمام أحمد في دعوى الإجماع، روى عنه ابنه عبد الله: «من ادعى الإجماع فهو كذب. لعل الناس قد اختلفوا»9.

ومن ادّعى إجماعًا سُئل عن مستنده من المصدرين. فإن أظهره فالنظر في المستند، وإن عجز عنه لم تنفعه الدعوى.

الحواشي

  1. الغزالي، المستصفى، ص152. shamela.ws/book/5459/150
  2. القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص325. shamela.ws/book/21813/323
  3. الغزالي، المستصفى، ص138. في آية النساء 115. shamela.ws/book/5459/136
  4. الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، 1/218. shamela.ws/book/10801/216
  5. الرازي، المحصول، 4/64. shamela.ws/book/2022/1171
  6. ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، 4/131. والحديث عند الترمذي (2167) بلفظ «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِي - أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم - عَلَى ضَلاَلَةٍ»، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ». وحكم الألباني عليه في «صحيح الترمذي»: «صحيح دون: ومن شذ»، بحسب خلاصة الدرر السنية. shamela.ws/book/10432/585
  7. الشوكاني، إرشاد الفحول، 1/208. shamela.ws/book/11437/238
  8. الرازي، المحصول، 4/62. shamela.ws/book/2022/1169
  9. أحمد بن حنبل، الجامع لعلوم الإمام أحمد، 5/100. shamela.ws/book/16663/82