المصدران: القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة.
البرهان
تعريفات تضبط الألفاظ، ثم مقدمات من نصوص المصدرين، ثم ثلاث مبرهنات تلزم عنها.
الطريقة
كُتب البحث على طريقة أهل الرياضيات في البرهان، بغير رموزهم ولا مصطلحاتهم. تُضبط الألفاظ بتعريفات، ثم توضع مقدمات قليلة مصرَّح بها، ثم لا تُقبل نتيجة حتى تلزم عن المقدمات خطوة بعد خطوة.
فمن خالف نتيجة من النتائج الثلاث لزمه أن يعيّن المقدمة التي يردّها، أو الخطوة التي يراها معيبة.
التعريفات
الحكم الديني: كل قول يُنسب إلى دين الله، كقولنا: هذا واجب، وهذا حرام.
الإجماع: عرّفه الشوكاني بأنه «اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمر من الأمور»1. والمقصود هنا اتفاقهم على حكم ديني.
فالإجماع منسوب إلى عصره في تعريفه نفسه: هو اتفاق مجتهدي عصر.
المستند: الدليل من المصدرين الذي أُخذ منه الحكم المجمع عليه.
المقدمات
المقدمات ثلاث، وكل واحدة منها نص من المصدرين.
الدين كمل بالوحي. فلا يدخله حكم بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
المائدة: 3
لا يشرع في الدين إلا الله. فلا يملك أحد من الناس، فردًا كان أو جماعة، أن يضع حكمًا دينيًا من عنده.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾
الشورى: 21
«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»
صحيح مسلم 1718، وهو في صحيح البخاري 2697 بلفظ «مَا لَيْسَ فِيهِ»
المصدران خطاب لأهل كل عصر، وإليهما المردّ. فأهل كل عصر مأمورون بالرجوع إلى القرآن والسنة أنفسهما.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
النساء: 59
قال الشوكاني: «والرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إلى سنته»2.
المبرهنة الأولى
اتفاق الناس على حكم ديني لا مستند له من القرآن والسنة النبوية لا يثبت به شيء في الدين.
البرهان بفرض العكس.
افرض أن مجتهدي عصر اتفقوا على حكم ديني لا مستند له من المصدرين، وأن الحكم ثبت في الدين باتفاقهم.
هذا الحكم لم يأت به الوحي، فقد دخل الدين بعد تمامه. يناقض المقدمة 1
مصدر الحكم اتفاق المجمعين وحده، فهم الذين شرعوه. يناقض المقدمة 2
الفرض إذن باطل.
فما لا مستند له من المصدرين لا يثبت بالاتفاق عليه، ولا إجماع خارج القرآن والسنة النبوية.
شواهد من كتب الأصول
حكى الشوكاني عن القائلين بلزوم المستند تعليلهم: «لأن أهل الإجماع ليس لهم الاستقلال بإثبات الأحكام، فوجب أن يكون عن مستند»3. ثم قال في القول المخالف: «وهو ضعيف؛ لأن القول في دين الله لا يجوز بغير دليل»4.
قال الزركشي: «لأنه لو انعقد من غير مستند لاقتضى إثبات الشرع بعد النبي»5.
قال ابن حزم: «ولا يمكن البتة أن يكون إجماع من علماء الأمة على غير نص من قرآن أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»6.
قال ابن تيمية: «ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص»7.
وعلى لزوم المستند كل من قُرئ له من المدارس كلها، وتفصيله في أقوال الأصوليين.
المبرهنة الثانية
إذا اتفق مجتهدو عصر، أي عصر كان، على حكم له مستند من القرآن والسنة النبوية فإجماعهم صحيح.
البرهان.
خذ عصرًا أيًّا كان، ولا تفترض فيه شيئًا يخصّه.
صحة الحكم المجمع عليه آتية من مستنده. المبرهنة 1
المستند من المصدرين، والمصدران خطاب لأهل هذا العصر كما هما خطاب لغيرهم. المقدمة 3
فإذا قرأ مجتهدو هذا العصر المصدرين واتفقوا على ما يدلّان عليه فقد تمّ الإجماع بتعريفه. التعريف 3
لم يدخل في الخطوات السابقة شيء يخصّ عصرًا دون عصر، فالنتيجة صادقة في كل عصر.
فالإجماع صحيح في أي عصر وقع، طالما التزم القرآن والسنة النبوية.
والإجماع بهذا المعنى أمر طبيعي: قوم يقرؤون نصًّا واحدًا فيتفقون على ما يدل عليه.
شواهد من كتب الأصول
قال الزركشي في الرد على من حصر الإجماع في الصحابة: «أن الإجماع إنما يكون عن أصل، وهو شامل للكل»8.
قال الدبوسي من الحنفية: «لأن الدلائل التي جعلت الإجماع حجة لم تخص قوما بنسب ولا مكان ولا قرن»9.
نقل الغزالي الحصر عن أهل الظاهر: «ذهب داود وشيعته من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة في إجماع من بعد الصحابة»10، وردّه بأن أدلة الإجماع «لا تفرق بين عصر وعصر»11.
فائدة الإجماع
قال الرازي: «فائدة الإجماع أنه يكشف عن وجود دليل في المسألة»12.
قال الشوكاني: «أن إجماعهم يصير قرينة على أن في الكتاب والسنة ما يدل على ما أجمعوا عليه»13.
فالإجماع يدل أهل عصره على أن للحكم دليلًا في المصدرين، ويرفع الخلاف بينهم في فهمه.
المبرهنة الثالثة
إجماع عصر سابق لا يكون حجة على عصر لاحق. حجة أهل كل عصر القرآن والسنة النبوية.
البرهان. ليكن العصر الأول قد أجمع على حكم، ثم جاء بعده عصر ثانٍ. إجماع الأول له مستند من المصدرين، أو لا مستند له، ولا حال ثالثة.
لم يثبت به شيء في الدين.
لا حجة فيه على أحد، بالمبرهنة 1.
المستند قائم أمام أهل العصر الثاني، وهم مخاطبون به كما خوطب الأولون.
حجتهم المستند، بالمقدمة 3.
وفي الحال الثانية: إن أخذ أهل العصر الثاني الحكم من اتفاق الأولين وحده، دون المستند، فقد جعلوا الاتفاق مصدرًا ثالثًا للدين مع القرآن والسنة. وهذا ما أبطلته المبرهنة الأولى.
ففي الحالين لم يكن إجماع العصر الأول هو الحجة على العصر الثاني.
وإذا نظر أهل العصر الثاني في المستند فاتفقوا على الحكم نفسه فذلك إجماعهم هم، وهو إجماع جديد صحيح بالمبرهنة الثانية.
وجه ثانٍ من التعريف
الإجماع اتفاق مجتهدي عصر. فإذا جاء العصر الثاني لم يبق أهل العصر الأول كل المجتهدين. وقد أورد الرازي هذا الوجه اعتراضًا في «المحصول» ثم أجاب عنه، وفيه: «فلا يكون اجماع أهل العصر الأول حجة على أهل العصر الثاني»14. وجوابه في الاعتراضات.
شواهد من كتب الأصول
قال الشوكاني في آية ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾: «وأما كون اتفاقهم على أمر ديني يصيره دينا ثابتا عليهم، وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة فليس في الآية ما يدل على هذا»15.
وقال: «وكتاب الله وسنة رسوله موجودان بين أظهرنا»16.
وقال البزدوي من الحنفية في الإجماع: «والنسخ في ذلك جائز بمثله»17، ثم قال: «ويستوي في ذلك أن يكون في عصرين أو عصر واحد»18. فأجاز أن يُجمع أهل عصر على خلاف ما أجمع عليه من قبلهم.
ونقل أبو الحسين البصري في «المعتمد» قولًا لأحد أئمة الحنفية: «ذكر قاضي القضاة عن الحاكم صاحب المختصر أنه قال إذا انعقد الإجماع لأهل العصر عن اجتهاد جاز لمن بعدهم ان يخالفهم فيه»19.
وأجاز أبو عبد الله البصري أن ينعقد إجماع بعد إجماع على خلافه. حكاه الرازي فقال: «ذهب أبو عبد الله البصري إلى جوازه»20، ثم ذكر قول الأكثرين بالمنع وقال: «والقول الأول عندنا أولى»21. وقال الصفي الهندي: «مأخذ أبي عبد الله البصري قوي»22.
الحواشي
- الشوكاني، إرشاد الفحول، 1/193. shamela.ws/book/11437/222
- الشوكاني، إرشاد الفحول، 1/208. shamela.ws/book/11437/238
- الشوكاني، إرشاد الفحول، 1/210. shamela.ws/book/11437/241
- الشوكاني، إرشاد الفحول، 1/210. shamela.ws/book/11437/241
- الزركشي، البحر المحيط، 6/397. shamela.ws/book/21593/2464
- ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، 4/129. shamela.ws/book/10432/583
- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 19/195. shamela.ws/book/7289/9712
- الزركشي، البحر المحيط، 6/438. shamela.ws/book/21593/2506
- الدبوسي، تقويم الأدلة، ص31. shamela.ws/book/13782/23
- الغزالي، المستصفى، ص149. shamela.ws/book/5459/147
- الغزالي، المستصفى، ص149. shamela.ws/book/5459/147
- الرازي، المحصول، 4/189. shamela.ws/book/2022/1284
- الشوكاني، إرشاد الفحول، 1/206. shamela.ws/book/11437/236
- الرازي، المحصول، 4/46. في سياق الاعتراضات على الاستدلال بآية النساء 115، ونقله الشوكاني في إرشاد الفحول 1/201. shamela.ws/book/2022/1154
- الشوكاني، إرشاد الفحول، 1/205. shamela.ws/book/11437/235
- الشوكاني، إرشاد الفحول، 1/208. shamela.ws/book/11437/238
- البزدوي، أصول البزدوي، مع كشف الأسرار، 3/262. والمتن بأعلى «كشف الأسرار» لعبد العزيز البخاري. shamela.ws/book/9062/981
- البزدوي، أصول البزدوي، مع كشف الأسرار، 3/262. والمتن بأعلى «كشف الأسرار» لعبد العزيز البخاري. shamela.ws/book/9062/981
- أبو الحسين البصري، المعتمد، 2/36. وقال بعد النقل: «وعندنا أنه حجة يحرم خلافه». shamela.ws/book/6319/455
- الرازي، المحصول، 4/211. shamela.ws/book/2022/1304
- الرازي، المحصول، 4/212. shamela.ws/book/2022/1305
- الصفي الهندي، نهاية الوصول، ص2670. shamela.ws/book/16562/2459